
«دفاتر الثانوية السوداء»
مرجان: ما هذه الأوراق التي بيدك؟ لمَ كل هذا الغبار على ثيابك بل لمَ تبدو متسخة وممزقة؟ أليس هذا الزي الخاص بالتدريب؟
ريبال: ارفعي قدمك ببطء لا تلوثي ثيابك
مرجان: ماذا تقصد بم سألطخها؟ لم تكمل جملتها حتى نظرت لأسفل وهي ترفع قدمها فرأت بركة دماء تسبح فيها جثة مجهولة الهوية
صرخت مرجان: ريبال ماذا يحدث مَن هنا؟
ريبال: ألم تستطيعي التعرف إليه؟
مرجان: وسط هذه العتمة بعد منتصف الليل؟!
ريبال: اخفضي صوتك وتعالي معي بسرعة أو غادري من هنا.
والتفت دون أن ينظر خلفه
تبعته مرجان مسرعة لتلحق خطواته هامسة: ريبال ما هذا الهراء ما الذي يجري هنا مَن الذي كان متمددا على الأرض غارقا بدمائه؟
ريبال وهو يصعد الدرج: سنتحدث في المكتب
مرجان: ومن أين عثرت على المفاتيح؟
ريبال: انتزعتها أي سحبتها من جيب…
مرجان: أكمل من جيب مَن لا تصبني بالجنون
رفع ريبال يده إلى الباب وحينما دار المفتاح وفتح الباب قال ريبال بصوت خافت بالكاد يُسمع: ادخلي
مرجان: هل التيار مقطوع؟
ريبال: بل تم قطعه
مرجان: إذاً نحن في مسرح جريمة
ريبال: بالضبط
مرجان: أتمزح؟
أخذ ريبال يضحك بتشنج
مرجان: أتسخر مني؟ من الفاعل؟ وثيابك ممتلئة بالدماء وأنت تلهث بهذه الحال؟
هل أنت الفاعل هل أصبحت قاتلاً؟
ريبال: ساعديني لنعثر على الأوراق
مرجان بتوجس وهي تتراجع إلى الوراء: كانت جثة صادق إذا؟
هز ريبال رأسه إيجاباً
صرخت مرجان صوتا مدويا تردد صداه في أروقة الثانوية والفناء والباحات
ريبال: لست مجرما كما تظنين.. حاول قتلي فاضطررت إلى المواجهة
مرجان: لم أنتما هنا أي منذ متى
ريبال: إن لم تكفي عن اللغو سيفوت الأوان هذه فرصتنا.. لا تسيئي الفهم بالطبع ليس لأجل السرقة.. نبحث عن أوراق خلاصنا ونجاتنا
مرجان: ألهذا السبب قتلته؟
برزت عروق عنقه وبدأ يتصبب عرقا باردا قائلاً: أخبرتك، لست من حاول فعلها هو من جرب في البداية
مرجان: الدفاتر السوداء التي بيديك؟
ريبال: مجرد نسخة من السجلات لا تكترثي لها
مرجان: على الأقل لن ترمي بها إلى بحيرة دمائه وإلا هي أكبر شاهد عليك
فتح ريبال درجا صغيراً وراح يبحث في ذات الوقت سمعا صوت خطوات بعيدة فنظرا إلى بعضهما
مرجان: أتسمع؟ هذه المرة حتى وإن مات صادق.. قضي علينا!
وضع ريبال كفه على فمها محاولا إسكاتها
أنزلت مرجان يديه عن فمها وهمست: برأيي اختبئ في الخزانة بأسرع ما يمكن ولا تصدر صوتاً.. إذا تمت رؤيتي فلن يشك بي أحد لكن رؤيتك أنت هنا بهذه الثياب لن تثير الشكوك والتهم في القضية، ستكون المشتبه الأكيد
لا أحاول حمايتك ولا أنوي رميك ولكن إذا تم اكتشافنا سيتم إلقاء القبض علينا كلينا معا وينتهي أمرنا
انفتح الباب فجأة ولمحت ظلا ضخماً قال: ما هذه الأصوات ماذا تفعلين هنا؟
مرجان: سؤال جميل هل أسألك نفسه؟….
قبل ثلاثة شهور
أثناء درس الفلسفة
كانت مرجان شاردةَ الذهن لم تفقه كلمةً واحدةً ممّا يقول ويدّعي ذاك الدّجّال، غارقةً في منفىً بعيد، لا يدور بعقلها إلا شيء واحد وصدى صوت واحد، وشظايا الذكريات تفتك بجسدها، يُلوّح لها أستاذ الفلسفة بيده جيئةً وذهاباً أمام عينيها لكنها لا تراهاه، تَلكِمُها صديقتها وتوغز يدها قائلة: إنه يُلوّح لكِ ويتحدث إليكِ، كان سيئاً ما فعلتِه لا يجوز بحقّه إنه أكبر منّا سنّاً، صمتت مرجان بُرهة ثم خرجت من مكانها راكضةً وسط ذهول الجميع دون أن يتجرّأ أحد على أن يتفوّه بكلمة ثم فجأةً لم تعد تذكر سوى صوت صرخاتٍ مدويّةٍ تَشي بأنها عند مغادرتها لذلك المكان الأشبه بسجن لعينٍ بخطوتين سقطت مغشياً عليها أمام باب الغرفة اليمنى، وهي الآن مستلقيةٌ على السرير، وصوت التي لكمتها بجوارها تقول أأنتِ بخير؟ فتجيب مرجان: ماذا حدث حُبّاً بالله؟ ما الذي جرى لي وأين أنا ولِمَ أنا هنا؟ لتقول أسيل: بل لِمَ ركضتِ هكذا؟ ما الذي حدث لكِ عندما أخبرتك أنه يُحدّق بكِ؟ (وحدك من تستطيعين الإجابة على كل هذه الأسئلة)
فقالت مرجان: أتقصدين ذاك الدّجّال الملعون؟ ينادونه ب (فلسفة)، لا أدري
لتكمل أسيل: إلامَ ركضتِ؟
رفعت مرجان رأسها بابتسامةٍ وقالت بهمس خافت: لقد ك.. كان هنا.. أعتقد أن ذاك الطّيف كان هنا.. ريبال
لتقول بتعجّب: كيف هذا
تحسّست مرجان يدها وهمست سراً: قلم!
نهضَت أسيل من مكانها وقالت: هل أصبحتِ بحالة أفضل؟
مرجان: ربّما ولكن هلّا استدعيت الطبيب لطفاً
فتسأل: ألستِ بخير؟
مرجان: لا أقصد.. أي أعني.. لو سمحتِ..
نظرَت أسيل إلى مرجان طويلاً ثم أدارت رأسها وسارت بخطوات متثاقلة ثم فجأة توقفت
فقالت مرجان: ما الذي استوقفك؟
جثَت على ركبتيها حين لمحَتْ حقيبةً زرقاء وقالت بعد أن عبثت وبحثت بها: انظري إلامَ في يدي، انظري إلامَ عثرتُ وأشارت بيديها قائلة: في جيبٍ مُخبَأٍ: قلم رصاص!
مرجان: لم أكن أرى إلا طيفه أو ظلّه الأسود.. خياله، لا أرى إلّا حلقة من الضياع، إن كنتِ لا تزالين مُصِرّةً على معرفة ما الذي جعلني أركض، لا شيء.. فقط عينان لمحتهما في الظلّ من بين الضباب، بصفاء بيقين.. كانتا الحقيقة الواضحة الوحيدة التي أودت بي! دخلت بعدها إلى غرفة لمحت فيها رجلا يرتدي قميصاً أبيض يشبهه فدخلت كان مولياً ظهره، وخصلات شعره سوداء مسترسلة مثله لكنه عريض الكتفين فاستفقت على صوته
دخلت خالدة مشرفة القسم العام مقتحمة الغرفة وقالت: مرجان صغيرتي ملاكي، هل أنتِ بحال أفضل كيف أصبحت؟ بالمناسبة حين أصابتك الحمى كنت تتحدثين عن أشياء غير مفهومة ما حكاية ذاك القلم والدفتر الأسود؟ ذكرتِ اسم رجل نسيتُه.. هل قلتِ….
